قصص لا تنتهى

قصص من الواقع المحيط .. أحداث , مواقف, أفكار ,او حتى عواطف .. أجمل أمانينا و أسوء كوابيسنا تجتمع فى مجموعة من القصص ..وهى قصص لا تنتهى بمجرد نهاية قراءتها..ولكنها فقط تبدأ .

الثلاثاء، ٣ فبراير، ٢٠٠٩

القط ملكٌ



من أحد محال الفرارجية المنتشرة فى السوق أنطلق قط أصفر يجرى من المحل و يحمل فى فمه قطعة أمعاء و عبر الشارع ووقف يلتهمها فى نهم و ينظر حوله من الحين لأخر كأنه يرقب الطريق و يطمئن من خلوه من قط أخر قد يشاركه غنيمته .

وبعد ما انتهى من وليمته رجع عائدا الى المحل لكى يحاول الحصول على قطعة أخرى يلتهمها ويملاء بها معدته التى لم تمتلء بعد , و فور دخوله الى المحل مستترا بالكراسى المنتشرة فيه وجد قط أسمر يلتهم قطعة أمعاء كبيرة مفترشة الأرض , لم يحرك القط الأصفر ساكنا غير انه أصدر مواء ضعيف ينبه به القط الأسود بوجوده , توقف القط الأسود عن التهام وليمته و رفع رأسه اليه ببطء ثم قال بعد صمت أستغرق وقتا :

- ماذا تريد ؟ قد أعطيتك ما كنت تريده , لماذا عدت ثانيا .

أصدر القط الأصفر موائا ضعيفا كأنه يتنحنح و هو ينظر اليه و الخوف يملاء عينيه ثم قال :

- أشكرك كثيرا على القطعة السابقة .....

ثم نظر الى قطعة الأمعاء الذى كان يلتهمها القط الأسود و أكمل :

- ولكنى أطلب عطفا أكثر منك ولا سيما اننى مازلت جائعا جدا .

ابتسم القط الأسود و نظر اليه ثم ابتعد فى بطء عن وليمته وأشار برأسه اليه ان يبدأ بالتهامها , فأندفع القط الأصفر الى الأمعاء و أشرع فى التهامها فى تلذذ و القط الأسود يشهده فى صمت و و هو يفكر فى أمرا ما , لم يمر وقتا طويلا حتى تغلغلت الفكرة فى اعماق رأسه, ثم قال للقط الأصفر الذى كان ما زال يلتهم الأمعاء :

- أتريد ان تحصل كل يوم على قطعة مثل التى تأكلها و تكون لك وحدك .

توقف القط الأصفر عن أكل الأمعاء ثم نظر اليه يكاد لا يصدق أذنيه و قال فى سرعة :

- نعم , بكل تأكيد .... ولكن كيف السبيل الى ذلك .

صمت القط الأسود قليلا و كأنه يريد ان يزيد جشع القط الأصفر قبل ان يقول :

- سأعطيك أنا اياها ... بل ان اتأمرت بأوامرى و جمعت لى أتباعا سوف أجعلك وزيرا لى .

اندهش القط الأصفر كثيرا وقال :

- وزيرا لك ...لماذا ؟ أتريد ان تكون ........

قاطعه القط الأسود وقد تعاظم الأمر داخل رأسه كثيرا :

- ملكا ... نعم اريد أن أصبح ملكا لقطط المنطقة .... و سأقودهم لحرب المناطق الأخرى و الأستيلاء عليها و تجنيد قطط تلك المناطق و أدخلهم فى جيشى ..

ثم تابع و القط الأصفر مذهول مما يسمع :

- و سأكون جيشا كبيرا لا يقهر و سأغزو العالم كله و يصبح تحت ملكى انا و أصبح الملك الأوحد لهذا العالم ...

توقف القط الأسود عن الكلام و مرت حالة من الصمت ثم قال القط الأصفر :

- و كيف تنوى إعطائى وجبتى اليومية و توفير وجبات الأتباع الأخرين , لأنهم بالتأكيد سيطلبون ذلك مقابل ولائهم لك .

قال القط الأسود بسرعة كأنه كان متوقع هذا السؤال :

- كل مخلفات هذا المكان تؤول جميعها إلى , وتصبح ملكى أفعل بها ما شئت , و سوف أوزع منها عليكم حتى تمتلئ بطونكم .

لم يقل القط الأصفر كلمة أخرى فأشار برأسه و أنطلق من فوره يجمع الأتباع لتكوين نواه جيش من القطط تحت أمرة القط الأسود , و كأنها كانت البداية لتكوين مملكة القطط .


********************

فى أحد ليالى الصيف , الجو معتدل قليلا بعد منتصف الليل , كان هناك تجمع كبيرا من القطط امام محل الفرارجى المغلق , و كان هناك الكثير من المواء بين القطط حتى صعد القط الأصفر على كومة من مخلفات المحل , فصمت الجميع فى أنتظار ما سيقول القط الوزير , قألقى الوزير نظرة يتفحص فيها التجمع قبل ان يقول :

-الأن , وبعد ان تجمعتم سوف يوزع عليكم نصيبكم من الغذاء ....

صدرت أصوات مواء بين القطط كانهم يستعجلونه فى التوزيع و لكنه أكمل :

- ولكن قبل ذلك سوف يلقى الملك قط عليكم خطبته كعادته كل يوم .

صدرت اصوات مواء أخرى ولكنها توقفت عندما صعد القط الأسود الى قمة المخلفات وبدأ يقول :

- رعيتى المخلصين ...... لقد أقترب اليوم أخيرا لأنطلاقنا فى مهمتنا المقدسة ... والتى سنسعى من خلالها لتوحيد كل قطط العالم تحت قيادتى و ننشىء لأول مرة فى التاريخ مملكة القطط , تحت قيادتى و حكمى ...

فأصدرت القطط أصوات مواء عالية كأنهم تحمسوا لكلامه و تابع الملك قط قائلا :

- سنغزو العالم أجمع ... نجمع رعيتنا و نوحد صفوفنا و نقتل من يعارضنا و ندمر مناطقهم و نستولى على ممتلكاتهم , و سيقول فيه التاريخ ان الملك قط هو من أستطاع توحيد العالم .....

زادت أصوات مواء القطط و زادت أيضا حماسة الملك قط و ارتفع صوته كأنه يريد ان يسمع العالم كله :

- سوف ننشىء مملكة القطط على أشلاء أعدائنا , سوف ننشئها على جثثهم و قتلاهم , سوف ننشىء بحق العصر الذهبى للقطط , عصرا سنحكم فيه العالم بالحديد و النار , و سوف نملائه دماءا و دمارا ورعبا .....

أرتفعت أصوات القطط أكثر و أكثر فنزل الملك قط من على قمة المخلفات و كأنه كان اذنا لباقى القطط فى الهجوم عليها و ألتهامها التهاما . فأصابت الفوضى الشارع و انتشرت بواقى تلك المخلفات فى أنحاء الشارع كله و كأن حربا وقعت فى المكان .


*****************

فى اليوم التالى أصابت حالة أستياء شديدة مالك المحل وقال للعاملين بيه :

ما سبب بعثرة تلك المخلفات فى أنحاء الشارع بتلك الطريقة , و لما لم ياخذها عامل النظافة اليوم .

فقال له أحد العاملين :

- فى الحقيقة لا أعرف , لقد عبئناها بالأمس مثلما نعبئها كل يوم و وضعناها امام المحل حتى يأخذها عامل النظافة عندما يمر فى الصباح , ولكننا وجدناها مبعثرة بتلك الطريقة عندما أتينا صباحا .

صمت المالك قليلا ثم قال :

- حاول أذن تنظيف تلك الفوضى من أمام المحل و سوف نرى بعد ذلك سبب تلك الفوضى .

أسرع العامل لينظف المخلفات من أمام المحل فى حين جلس المالك أمام المحل يراقب الشارع فى صمت ولاحظ تجمع عدد كبير من القطط فى الشارع و حول المحل يلتهمون بواقى المخلفات المنتشرة فى الشارع , فقال للعامل :

- لقد زادت القطط امام المحل ... من المحتمل ان يكونوا من قاموا بتلك الفوضى ..

فصمت قليلا ثم تابع قائلا :

- أبعد تلك القطط من هنا ....... و أطرد ذلك القط الأسود أيضا من المحل فالأرجح ان يكون السبب فى وجودهم امامه.

أومأ العامل برأسه و ذهب حاملا عصا ليبعد القطط و التى مالبثت فى الأبتعاد بعد ان طوح العامل بالعصا فى الهواء عدة مرات ولكن القط الأسود لم يبتعد , و كلما أبتعد عاد الى المحل مرة أخرى , حتى قام العامل بضربه فى نهايه الأمر بقسوة فحطم أحد أرجله الخلفية فأبتعد القط مصدرا مواءا مؤلما ولم يعد مرة أخرى.

و بعد عدة ليالٍ وفى أحد الأزقة الجانبية لشارع السوق وقف القط الوزير أمام الملك قط و قال :

- لقد مر أكثر من أسبوع كامل ولم أحصل فيه على وجبتى التى وعدتنى أياها أو حتى أى قط أخر من أتباعك , و أخاف ان ينقلبوا عليك ان لم تعطى لهم طعامهم اليوم

فقال القط الأسود وهو يحاول الأسترخاء على طرفيه الأمامين :

- لقد حاولت ولم أجد أكثر من غذاء يومى ..

ومرت لحظه من الصمت قبل ان يكمل قائلا :

- قل لهم ان يصبروا قليلا ... أن يصبرو لتحقيق حلمنا الكبير و .......

قاطعه القط الوزير وقال :

- تقصد حلمك انت و ليس حلمنا ....

ثم أشار برأسه الى رجله المحطمة :

- غير ان رجلك المحطمة ستكون عبئا ثقيلا عليك و علينا ولن تستطيع فعل شىء بعد ان طردت من المحل الذى كان يوفر الغذاء الذى تفرقه ...

ثم تابع قائلا :

- لقد حان الوقت لكى تنسى حلمك المجنون هذا و تحاول ان تعيش كباقى القطط وليس كملكا لهم .

نظر اليه القط الأسود و تراجع قليلاا و هو يقول :

- أتقصد انك تخليت عنى .

فقال القط الأصفر و هو ينظر اليه فى عينيه و ظهرت السخرية فى صوته :

- نعم لقد تخليت عنك وليس انا فقط , ولكن كل رعاياك المخلصين أيضا فعلوها منذ ان توقفت عن تنفيذ وعدك لهم و أصبحت عاجزا عن الحركة غير قادر الا على أطعام نفسك فقط وقد تكون محتاجا للمساعدة فى ذلك أيضا ...

ثم تركه و ذهب و هو يقول :

- لقد انتهى فترة خدمتى لك يا مولاى وقد انتهى حلمك بالموت ايضا . صبحت عاجزا و

قالها وبدأ يضحك بصوت عالي فصرخ القط الأسود بأعلى صوته و هو يقول :

- سوف أصبح ملكا رغم انوفكم .. و عندها سوف أقتلك و أقتل كل ما كان معك

سوف انتقم منك ... سأنتقم منكم جميعا .

و أخذ يصدر مواءا عاليا كأنه يعلن سيطرته على العالم هو يقول :

- سترون ما سأفعله لكم .... أسخروا ما شئتم ولكننى سأضحك فى النهاية .

و أستمر فى المواء و الصراخ بأعلى صوته ولكن لم يلتفت له القط الأصفر حتى أختفى فى نهاية الزقاق .

و فى نهار أحد الأيام بعد ذلك و على جانب الطريق كان القط الأسود ملقى وقد أستوى جسمه بالأرض بعد ان صدمته سيارة أثناء عبوره شارع السوق و فى فمه قطعة أمعاء .

الاثنين، ٢٦ يناير، ٢٠٠٩

وبدأت الحرب العالمية




قام الجيش الأسرائيلى بالهجوم على غزة بغرض القضاء على المقاومة الفلسطينية و فى سبيل ذلك قتل المئات من الفلسطينين المدنيين و جرحت المئات و كانت الأعداد تتزايد بشكل مخيف .
و كان الرئيس المصرى يشاهد التقارير المختلفة عن هذه الحرب الغاشمة و تأثيرتها المختلفة على الصعيد القومى و الدولى , زاد الألم الشديد داخله لهذه الحرب العمياء و شعر بضرورة أتخاذ موقف حاسم يوقف اسرئيل عند حدها و ينهى هذا الصراع و لأبد , و حتى لو كان سبيله صعب و يمتلئ بالعقبات .
قام الرئيس بعقد أجتماع بين رئيس الوزراء و وزير الدفاع و مدير المخابرات العامة , و تمت مناقشة الأمر بكافة جوانبه و دراسة تفاصيله الدقيقة و ما يتطلبه حتى ينفذ على أرض واقعية , و أنتهى الأجتماع و على اثره قام الرئيس بالأتصال بكافة رؤساء و ملوك الدول العربية و عرض فكرة قراره عليهم و ما أدهشه موافقتهم جميعا علي القرار , و كأن ذلك الشعور يسرى فى دماؤهم ايضا , وتم الأتفاق على عقد مؤتمر القمة العربية لمناقشة فكرة القرار و كيفية تنفيذه فى كافة الدول العربية و تم تحديد مكان أنعقادها فى القاهرة , و حضر الرؤساء و الملوك العرب لعقد القمة , و على غير عهدها بدأت القمة جلستها الأفتتاحية و ما يليها من جلسات بشكل سرى جدا , و حذر على الوافدين و المندوبين من جميع الدول العربية أفشاء اى معلومات عن احداث القمة , وفى المحيط الخارجى تنامى بين الحضور ذلك الشعور بأنها ستكون نهاية حقبة و بداية حقبة جدية و سيظهر الرؤساء العرب بقرارتهم و التى ستغير كل شىء , و شيئا فشيئا تنامى ذلك الحماس مع بعض الغموض عندما عقد المؤتمر الصحفى و الذى كان من المفترض أعلان نتائج المحادثات العربية فى مؤتمر القمة و لكن المتحدث عن الجامعة العربية قال :
- لن يتم اعلان نتيجة المحادثات الأن , ولكن سينطلق وفد من الوزراء العرب والأمين العام للجامعة العربية لمجلس الأمن لأعلان نتيجة المحادثات من هناك , من ذلك المنبر و الذى يشرف على العالم أجمع .
انتهى المؤتمر الصحفى بتلك الكلمات المقتضبة وبعد أنتهاء القمة عاد كل الرؤساء و الملوك العرب الى بلادهم و فى أعينهم نظرة عزم و أصرار قليلا ما ظهرت فى عيونهم .
ثم سافر وفد الوزراء العرب الى نيويورك و دعوا لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن و فور انعقادها قام الأمين العام للجامعة العربية بالقاء الكلمة الأولى لأجتماع وبدأ كلمته قائلا :
سأقول كلمتى ايها السادة , و ستتضمن نتيجة محادثات القمة العربية و التى تم عقدها مؤخرا قى القاهرة و لكن قبل ان اعلن نتائج تلك المحادثات اريدكم ان تسمعونى مليا , لأننى أثق فى ان تلك الكلمات ستغير مجرى العالم أجمع .
و صمت برهة ثم تابع :
لا يخفى عن البعض الحرب التى شنتها أسرائيل على غزة و راحت تقتل و تجرح الكثيرين منهم حتى أصبحوا بالمئات , و العالم كله عاجز عن وقف عدوانها الغاشم , و قد سعينا مرارا و تكرار الى افشاء السلام فى المنطقة العربية و لكنها ابت ان تنفذه , وراحت تعتدى على الفلسطينين بأسباب واهية ضعيفة ,ولا تريد ان تتوقف كأنها استباحت القتل فى مواطنينا العرب , و على ذلك قررت الدول العربية أرسال الجيوش العربية جميعها الى اسرائيل وأعلان الحرب عليها .
ثم حول بصره الى المندوبين الأمريكى و الصهيونى و الذين بدا مشدوهين من كلمته ثم تابع :
فإذا كانت إسرائيل تريد الحرب فلتكن حربا ضروسا كما أرادت , نستعيد فيها حريتنا و كرامتنا المهدرة , و نسترجع عزتنا , و نسترد فيها أرضنا و قدسنا المسلوب منذ أكثر من ستين عاما , ولم تستطع أسترجاعها العدالة الدولية الوهمية ...
ارتفعت الهمهمة بين الحضور فأدار بصره إليهم و عينه تشع ببريق أصرار و أمل ثم تابع :
و هذا نص القرار الناتج عن القمة العربية المنعقدة فى القاهرة , و ينص على " لقد قررنا نحن قادة العرب على الأتحاد فى هدفنا و كيفية رؤيتنا لأمر العدو الأسرائيلى, و على ذلك قررنا أعلان حالة الحرب على أسرائيل و كل من يساندها من دول , و إرسال الجيوش العربية الى فلسطين و أسترجاعها من يد المحتل الغاشم , ولن تتم نهاية الحرب الا باسترجاع كامل أراضى فلسطين المحتلة و دحر أسرائيل من الوجود" انتهى نص القرار .
ثم صمت قليلا بين دهشة و وجوم اعضاء المجلس و تابع :
لقد استعدنا وحدتنا و سنستعيد كرامتنا حتى لو كان سبيله أشعال الحرب العالمية الثالثة بين الدول .
انتهى الأمين العام من ألقاء كلمته و غادر موقعه ولم ينتظر نتيجة كلمته الملقاه و خرج هو و الوفد العربى فى ثقة من قاعة المجلس الى خارج المبنى فى طريقهم الى وطنهم العربى .
و فى لحظة واحدة و من كل شبر فى الوطن العربى ارتفعت صيحة واحدة تعلنها فى السماء الله أكبر و انطلقت الجيوش العربية من كل حدب و صوب فى أتجاه واحد ,
و بدأت الحرب العالمية ...

الخميس، ١ يناير، ٢٠٠٩

رحمة


انطلقت سيارة الأسعاف حاملة طفلة صغيرة مصابة بشدة من أحد المنازل المدمرة نتيجة صاروخ أصابه فهدمه على رأس ساكنيه , فقال الجالس بجانب السائق :

- أسرع .. أسرع بالله عليك حتى لا نفقدها .

فرد عليه السائق و هو يحاول الدخول فى زقزاق ضيق فى سرعة :

- سأبذل قصارى جهدى .. كل الطرق المؤدية الى المستشفى مدمرة وسأحاول الوصول عن طريق ذلك الزقاق لعله سلم من القصف .

قالها ثم اعطى أهتمامه كله للطريق و هو يضغط على دواسة الوقود لمحاولة كسب الوقت قدر الأمكان .

****************

الشمس مشرقة, و السماء صافية, و الحقول الخضراء ممتدة على مدى البصر, و فى أحد الحقول المزروعة بأنواع الورود المختلفة كانت تجلس طفلة فى الثامنة من عمرها تلهو وتلعب بدب صغير, ونسمات الهواء العليل يتلاعب وشعرها الناعم ,و كانت سعيدة جدا مع دبها الصغير , و إذ بيد تمتد تمسك كتفها برفق من الخلف فأدارت رأسها فرأت رجلا فى منتصف الأربعينات مرتديا ملابس بيضاء و يشع من وجهه النور يبتسم لها فى حنان , فقفزت الفتاه فرحة فى صدره صائحتا :

- أبتى ... لقد اشتقت لك كثيرا.

ضمها والدها بعمق و هو يقول :

- لقد اشتقت إليكى أيضا إبنتى , لقد اشتقت اليكى بشدة .

****************

وصلت سياره الأسعاف إلى مستشفى غزة العام , و توقفت بسرعة و قفز منها المسعفان و هما يسارعون مع زملائهم من المستشفى فى إنزال الطفلة الصغيرة من السيارة ,و حملها على المحفة لأدخالها المستشفى ,و اثنا قيامهم بذلك سأل رئيسهم المسعفان : أيوجد ناجين أخرين؟

فرد عليه السائق و هو يحاول السيطرة على مشاعره:

- كلا .. هى الناجية الوحيدة من القصف ... أهلها و زويها كلهم ماتوا تحت أنقاض منزلهم .

أومأ برأسه لأدراكه الأمر و أسرع مع الطفلة الى داخل المشفى , و هو يقول للمسعفين :

- أبقوا على أستعداد تام ... فأنها ليلة لن تنتهى بسلام أبدا .

أومأ المسعفان رأسهما و ذهبا إلى سيارتهما ليستعدا لنقل جرحى أخرين .

***************

سألت الطفلة والدها :

- أين ذهبت يا والدى ؟... أمى كانت حزينة طيلة الوقت ... لماذا غبت تلك الفترة عنها ؟

ضمها والدها أكثر و هو يقول :

- ليت الأمر بيدى يا رحمة . لو كان ذلك بيدى ما تركتكم أبدا .

ثم أمسكها من كتفيها و أبتسم و هو ينظر فى عينيها السوادوين و تابع قائلا :

- لكنى ذهبت الى مكان أجمل كثيرا . لقد ذهبت الى الجنة أبنتى الحبيبة .

ففرحت رحمة و ضحكت فى سعادة و هى تقول :

- خذنى معك يا أبتى , خذنى لأرى الجنة . لا أريد تركك بعد الأن أبدا .

فأبتسم الأب مرة أخرى و هو يضمها فى صدره قائلا :

- تلك أرادة الله و ليس أرادتى أبنتى .. لو أراد ذلك لأدخلك من لحظتها .

ترددت الأبنة قليلا و هى تقول :

- ألن تأخذنى معك أبى؟ أتتركنى هنا وحيدة؟

ثم أجهشت بالبكاء فمسح الأب دموعها, و هو يقول فى حنان لها :

- ستكونين معنا فى النهاية أبنتى .. ستكونين معنا و مع أخوتك و أمك أيضا , فكلهم هناك الأن فى الجنة و كلهم سيكونون فى أنتظارك ايضا .

هدأت رحمة و توقفت عن البكاء بعد ان زادت ابتسامتها فأمسك الأب يدها و أخذا يسيرا بين الحقول يتحادثان .. ..

*****************

فى حجرة الطوارئ بالمستشفى كانت الطفلة ممدة أمام الطبيب المعالج يفحصها ثم قال لمساعدته الممرضة :

- حالتها خطيرة جدا ...وخسرت الكثير من الدماء .. و أخشى ان نفقدها إن لم نسرع فى عملية نقل الدماء لها .

فقالت الممرضة :

-سنحاول أسعافها مؤقتا , حتى يتم نقلها الى مستشفى فى الجانب المصرى .

فرد الطبيب قائلا :

- سنحاول .. وليفعل الله ما هو خير لهذه الطفلة ..

ثم بعثها الطبيب لأحضار كيسين من الدماء و بعض الضمادات و جاءت بعد فترة طويلة نسبيا مهرولة وقالت للطبيب قبل ان تلتقط انفاسها :

- لم أجد أى أكياس دماء من فصيلتها .. نفذت كلها من المستشفى ..

فقال الطبيب لها و هو يأخذ منها الضمادات :

- أخرجى الى خارج المستشفى , و حاولى ان تجدى متبرعا للدماء من فصيلتها بسرعة .

ذهبت الممرضة مسرعة تنفذ أوامره تاركتا إياه فى محاولة منه لأنقاذ الطفلة .

*********************

سارا الأب و طفلته يتحادثان لفترة طويلة بين الحقول, إلى ان وصلوا الى سور كبير يمتد امتدادا عظيما , لا يكاد المبصر تبلغ نهايته و كان هناك بوابة كبيرة مغلقة فى ذلك السور, فتوقف الأثنان أمامه للحظات قبل ان يلتفت الأب الى رحمة قائلا :

- أتريدين ان تبقين معى أبدا يا رحمة .

فقالت رحمة بسرعة فى سعادة :

- نعم يا أبتى , أريد أن لا أفترق عنك أبدا , أن أظل بجوارك دائما .

ابتسم الأب فى فرحة قائلا لها :

- هيا أذا نفتح تلك البوابة و ندخلها , فخلفه تماما تقع الجنة و ينتظراك أمك و أخوتك ايضا.

ثم أفلت يدها و تركها تجرى أمامه فى سعادة حتى تفتح البوابة الضخمة , فدفعته رحمة , و فُتحت بمجهود لا يذكر, فنظرت خلفها لتقول لأباها انها قد فَتحت البوابة الضخمة وحدها , و لكنها لم تجده , و جدت نفسها وحيده وسط الحقول و البوابة خلفها مفتوحة , خافت قليلا لكنها جمعت شجاعتها و نظرت للبوابة و عبرتها فدخلت الجنة و أغلقت البوابة خلفها .

*********************

رجعت الممرضة وهى تسرع حاملة أكياس الدم فى يدها , و ذهبت الى الطبيب ليكمل أسعافها , و لكنها توقفت عنده و هو يغطى وجها بالملاءة البيضاء و الحزن الشديد يملاء وجهه ثم نظرالطبيب اليها ورأها تحمل أكياس الدم فقال و قلبه يعتصر ألما :

- لم نسرع كفاية لأنقاذها , لقد ذهبت لملاقاة ربها الأن .

صمت قليلا ثم تابع : أعلنى وفاتها و أبلغى أهلها و........

قاطعته الممرضة و هى تقول :

- لقد أستشهدوا جميعا أثناء القصف على منزلهم .

صمت الطبيب قليلا ثم قال :

-إذن أتخذى الأجراءات المعتادة فى تلك الحالة .ففى النهاية هى ابنة فلسطين وسوف يهتموا بها ايضا مثلما يهتموا بالأخرين .........

الأربعاء، ١٠ ديسمبر، ٢٠٠٨

المشاعل الخائفة




"البقية فى حياتك ...و البركة فى باقى أولادك "
أطلقها رجل فى منتصف الأربعينات لشيخ كبير السن أسمر البشرة يبدو عليه الحزن و الجزع الشديد فأومأ برأسه و مر عليه أيضا كثير من أهالى أحدى القرى التى تقع فى عمق الصعيد و هم يعزونه و يواسونه فى أكبر أولاده . و أقيم العزاء فى بيت ذلك الشيخ حتى أقدم الليل بظلامه الشديد الذى أكتسح القرية فأضيئت مشاعل النار فى محاولة منهم لهزم ذلك الظلام , و فى منطقة المقابر كانت أحدى تلك المشاعل تضىء مجلسا صغيرا يتكون من أثنين من أهالى القرية كان أحدهم التربى المسؤول عن تلك المقابر و فى أثناء حديثهم خيل اليهم أنهم يسمعون دقات قادمة من وسط المقابر فأُدخل القلق فى قلوبهم, وتسائل التربى عن مصدر تلك الدقات الغريبة و لكنه تناسى الموضوع بعد ان توقفت قليلا ولكنها عادت تلك الدقات الغريبة و أصبحت تتسارع و تقوى شدتها فما منهم الا و ان قاموا يستكشفوا مصدرها فى قلق و ترقب و هم يتساءلوا عن ماهية تلك الدقات و سببها و قادتهم الى المدفن الذى دفن فيه ذاك الشاب ابن الشيخ الأسمر, فخافوا و هلعوا و أنطلقوا الى مساكن القرية يروون ما سمعوا, فأنطلقوا أهالى القرية و مشاعلهم معهم الى مقابرهم ليروا ما قد رأه تربى القرية متخذين من مشاعلهم و تجمعهم قوة يدفعون بها أنفسهم دفعا, و تجمع أهالى القرية حول مدفن الشاب يسمعون دقاته فى خوف و رعب و هى تزاد شدتها مع الوقت , فما لبث ان خرج منهم شاب يدفع نفسه ليقترب من التربة فى حذر و ترقب و حاول الأقتراب فى بطىء مادا يده ليجس تلك الدقات و يشعر بها ,.و فجأة توقفت الدقات المخيفة فسرت همهمة غير مفهومة بين الأهالى تحولت الى صياح و صراخ عندما ظهرت تك اليد السوداء مخترقة الأرض كأنها يد مارد تنوى الدمار و الخراب فانطلقت الأهالى الى كل حدب و صوب تنفذ بحياتها من ذلك المجهول الأسود و ما لبث ان ظهر باقى الجسد من تحت التراب و وكان لشاب أسمر الخلقة يلتف جسده بكفن متسخ يبده عليه الذهول و الخوف و أزداد خوفه و ذعره عندما رأى هياج و أهالى القرية هروبهم , فأخذ يجرى منهم و اليهم ولم يعرف أين يتجه و كأن عقله توقف عن العمل , و ازاد خوف الناس مع حركته و هم يصيحون "عفريت الميت طلع" و مع الخوف أخرج احدهم مسدس ضخم من جلبابه و هو يجرى تجاهه صارخا بكل قوته و مطلقا الرصاص عليه فى عنف و ظل يطلق حتى نفذت ذخيرته كاملة, فأصابت الشاب كلها فى مناطق كثيرة من جسده فسقط على الأرض ميتا و الدم يسيل بغزارة من مناطق أصابته , و مازالت التكات المعدنية للمسدس مستمرة و حامله يقف فى ذهول محدقا فى جثة الشاب , فخفت الصراخ وساد الوجوم و حل الصمت و أجتمعت الأهالى حول جثة الشاب فى ترقب و خوف وبدأؤا يتداركوا حقيقة الموقف, ثم ظهر من بين الحشود الخائفة ذلك الشيخ الأسمر و هو يقترب من جثة ابنه , و جثا على ركبتيه يحتضن ابنه و دموعه تنهمر على وجهه بعد ان فقد ابنه للمرة الثانية و جموع القرية حوله تشهده فى صمت و وجوم .

الروح


كنت جالسا فى البيت وحدى , انظر من الشرفة الى نجوم الليل المنتشرة فى السماء,أتأمل جمالها وروعة رسمتها , ثم ما لبثت ان خرجت من الشرفة و ذهبت الى مكتب أبى حيث بها مكتبة كبيرة تضم من أنواع الكتب مئات و مئات , فإتجهت اليها و مددت يدى الى أحدها لألتقطه و أقرأه لأشغل فراغ وقتى , فما أن لمست مؤخرته حتى فتحت فجوة سوداء كبيرة منبعها مكتبة الكتب و كانت قوة جذبها عظيمة , فشدتنى اليها و أنا أحاول مقاومتها فممدت يدى الى الفراغ لعلى امسك شيئا فأذ بيدى تمسكت بكتاب و أبتلعتنا الفجوة معا, فسقطت فى الفراغ المجهول اللا متناهى أدور بلا توقف حول نفسى , ثم ما لبث ان ظهرت من بعيد فجوة بيضاء صغيرة أخذت فى الأتساع شيئا فشيئا حتى سقطت منها, كان ذهولى عظيما و خوفى شديدا فالعالم الذى سقطت فيه كان غريبا ولكنه جميلا فقد سقطت فى عالم انتشر فيه النور فملأ أركانه ,و انتشرت فيه حدائق الأزهار و الفاكهة فأصبح بصرى لا يعرف نهايته, و أذ ببحيرة جميلة تتوسط المكان يتقافز منها أسماكها فى منظر لا يراه انسان إلا و أتسعت حدقتاه من روعته, و كانت ثمة أشباح بيضاء تجوب المكان تطير و تنتشر و كأن العالم كله لوحة فنية رسمها أعظم فنان , فأخذت بالنظر من على ربوة عالية أتأمل فى روعة المكان , ومن ثم أقترب أحد تلك الأشباح منى فأذ بصوتى يرتفع و يقول : "من أنت ؟ و ما هذا المكان ؟"
فتوقف الشبح عندى فرأيت أجمل إمرأة يمكن ان يراها انسان , كأنها حور من الجنة انزلت على الأرض ليرى أهلها روعة صنع الله , فقالت و قد تبينت دهشتها :
"ألم تتعرف علينا بعد ؟ لقد ظننت ذلك أيضا .
ثم إبتسمت و أشارت إلى نفسها قائلتاً :
"أمعن النظر فى. "
فنظرت اليها فإذ بكلمات تجوب جسدها فى نظام تظنه عشوائية
فإزدادت دهشتى فابتسمت و قالت فى زهو:
" انا الذى اذا رأيتنى وجدت حركة و حياه
و أذا سمعتنى ثبتت صورتى فى أعمق أعماق قلبك..
و اذا وجدتنى روحك أندمجت معها و صرت نورا و خبرة لها
انا المعنى... و أنا المراد ,
انا الموسيقى و الجمال
أنا الروح ... التى تسرى بين الكلمات "
فجأة أختفى كل شىء , ولكن صدى الكلمات مازل يرن فى أذنى ,و نفسى منتشية وسعيدة كما لم تنتشى من قبل ,ووجدت نفسى جالسا على مكتب أبى أتصفح الكتاب وأقرأ فى أخر سطر منه و كان يقول :
"أنا الروح .. التى تسرى بين الكلمات "
.

الخميس، ١ نوفمبر، ٢٠٠٧

قصص لا تنتهى

احداث تمر فى حياتنا صور تتكرر امام اعيننا و وقفات نقف عندها و نتأمل انفسنا امامها , كل ذلك يحدث و الحياة لاتقف بل تستمر و تستمر و تسرق اجمل لحظاتنا و تترك لنا احزاننا نغوص فيها و نترك ورائنا ما يستحق ان نأخذه معنا وبعد ذلك نندم على مافعلنا وما تركناه خلفنا حيث لا مكان للندم أو حتى لتصحيح الأخطاء .

وكلما غصنا و غصنا لم يصبح امامنا الا ان نأخذ العبر والحكم والصور التى تمثل خبرتنا و ثقافتنا بعد ذلك و ونستغله على أفضل ما يكون فبذلك نتخذ من الام الماضى سعادة المستقبل و من صدماتنا المتتالية شعلة تنير لنا طريقنا, فما الحياة إلا مجموعة من القصص
و هى حقا قصص لا تنتهى
.